مراجعة Detroit Become Human

 دائماً ما كانت فكرة الأندرويد شبيه الإنسان الذي يطور وعياً تداعب خيال الكتاب والمؤلفين على مختلف المستويات الفنية ، فرأيناها في الكوميكس والكتب المصورة ورأيناها على كل أنواع الشاشات الصغيرة والكبيرة وبالطبع عالم الألعاب ، ولكن يمكنني القول بأن الذي رأيته في Detroit Become Human هو أبرع تصوير لهذه الفكرة في عالم الألعاب ، سنقدم لكم اليوم مراجعة اللعبة وسنتحدث معكم فيها عن أهم  جوانب اللعبة وبالطبع سنأخذ راحتنا في الحديث عن القصة – لأنها السبب الأساسي الذي سيجعل الكثيرين يشترون اللعبة – أيضاً سنتحدث عن عملية الدبجلة والتحويل للغة العربية وخاصةً اللهجة المصرية لأنها أكثر النقاط التي سببت ضجة حول اللعبة في الفترة الماضية . 

مع زيادة عدد الألعاب التي تجربها ستجد أن هناك حاجزاً خفياً تقف معظم الألعاب خلفه ، خصوصاً تلك ذات الميزانيات الضخمة والتي نلقبها بـ AAA حاجز تخاف الألعاب أن تكسره ، ربما تقترب منه قدر الإمكان ولكن تعمل جاهدة على ألا تكسره أو تحاول أن تتخطاه ، Detroit جاءت لتحطم هذا الحاجز حرفياً ولتناقش كل ما يمكن مناقشته حول قضية الروبوتات الذكية شبيهة الإنسان والتي تطور وعياً خاصاً بها لتقترب بهذا من كونها “حية ” ، كل ما يخطر في بالك حول هذا الأمر ستناقشه اللعبة وستناقشه بجدارة منقطعة النظير في طريقة عرض سينمائية ومدة لعب قصيرة بعض الشيء ولكن ممتعة وتدعو للإدمان والتسمر امامها لساعات طويلة .

القصة ببساطة كما توقعت وكما وضحت كل العروض التي ظهرت لها قبل اليوم ، فهي ستتحدث عن الأندرويد في مدينة ديترويت الأمريكية ومحاولتهم لإكتساب حقوقهم والحفاظ عليها والعيش بطريقة آدمية ، ولكن بعيداً عن قصص “الخيال” العلمي فإن هذه القصة تحديداً تعالج القضية بطريقة أقرب للواقعية لتتركك بسؤال في نهاية اللعبة ، ماذا لو حدث ذلك فعلاً في عالمنا ؟

تتبع القصة ثلاثة أبطال مختلفين وهم Conor الأندرويد المحقق الذكي المنطقي الذي يحقق في القضايا التي تتضمن “متحولين” أو ” متغيرين ” ، والثانية هي “كارا” الأندرويد الخادمة التي تعتني بسيدها وإبنته الصغيرة ” أليس” ، والثالث هو ” ماركوس ” وهو الأندرويد الخادم الذي يعتني بسيده الفنان الفيلسوف “كارل ” القعيد والذي يعيش وحده في قصر عملاق مع ماركوس ، هذه القصص الثلاثة ستتداخل معاً وستعمل معاً حتى في إنفصالها لتقدم لك مشكلة منطقية وفلسفية ، ولكن بدلاً من أن تأخذك اللعبة في الإتجاه الذي ترغب به وبدلاً من أن تخبرك بما تريد منك فعله أو الوصول إليه فالقصة فإنها تتيح لك الإختيار بطريقة سلسلة وغير ملحوظة بين مجموعة من السيناريوهات المختلفة والعوامل المختلفة والتي ستختار بينها طبقاً لشخصيتك فقط وبدون محاولة لإختيار الخيار الافضل فكل الخيارات أحياناً أسوء من بعضها البعض .

من الظلم مقارنتها بالألعاب العادية ، فهي فصيلة مختلفة ورائعة وتعتبر الأفضل من نوعها 

كل واحد من الشخصيات الثلاثة سيواجه أسئلة وسيواجه مواقف تمتحن جوهره وفكره والأهم ستضعك أنت الاعب في زاوية ضيقة وستجبرك على التفكير في الكثير من الأسئلة الوجودية الي تحاول أن تهرب منها ، وسؤال إن كان الأندرويد احياء أو يستحقون الحياة أبسطها للأمانة ، فهي ستسألك عن الأسرة والعائلة وما يربطهم معاً وستوجه لك أسئلة عن الوجود والتفكير والحب والصداقة وعن التأثيرات الإقتصادية والأسرية والأهم عن الطريقة التي نتعامل بها كبشر مع ما نجهله دائماً ، وهناك جملة قالها ماركوس في اللعبة ” هما همجين والعنف موجود في جيناتهم ويبحبوا العنف ، بقالهم سنين بيقتلوا بعض علشان ألوانهم مختلفة والدين ” .

تطرح اللعبة الأسئلة المعتادة ، ولكن بدلاً من أن تكون جملة أو سؤال كتابي فهي تضعك في الموقف وستضعك في أحذية هؤلاء الذين كانوا يحاولون الهروب من العبودية أو هؤلاء الذين إحتبسوا لساعات طويلة في معسكرات التطهير العرقي ، كل هذه الأسئلة وأكثر ستجدها وستمر بها وستجد نفسك تطرحها على نفسك حتى لو تطرحها اللعبة علناً ، فهي تجربة فلسفية عميقة وتقدم قصة أعمق مما يبدو على السطح لتدفعك إلى التفكير ولتخرج من تجربتك للعبة وأنت شخص افضل يتفهم العالم بشكل افضل واكثر جودة ومنطقية .

بدون نزاع قصة اللعبة أفضل ما فيها ، تعمقها في الأسئلة ومحاولة الطرح الجديدة ووضعك في منصب القيادة لتختار ما تريده ، كل هذه الأمور وأكثر تجعل قصتها بدون منازع من أفضل القصص التي عرضت من خلال العاب الـ Interactive Story Telling ، ومع أن المدة الفعلية للقصة قصيرة بعض الشيء إلا أنها ستكتشف كل شيء متعلق بالشخصيات الثلاثة الرئيسية وجزء كبير من الطاقم المساعد وستعرض لك التطور النفسي والمنطقي لهذه الشخصيات حتى يصلوا إلى الصورة النهائية التي ستراها مع نهاية اللعبة ، وبالرغم من هذا فإن القصة قد تمت إطالتها بشكل مكشوف في الكثير من المناطق في اللعبة والكثير من الفصول وهذه المناطق هي المناطق الوحيدة التي ستشعرك بالملل الشديد .

ولأن هذه واحدة من ألعاب الـ Interactive Story Telling فلا تتوقع أكثر من QTE’s وبعض الإستكشاف والخيارات في أسلوب اللعب ، وبالرغم من اننا اعتدنا على هذه التشكيلة كثيرة إلا أنها ستقدم بشكل جيد ومختلف عما سبق ، الجميل في هذه اللعبة أن اللعبة لن تتوقف على اختياراتك أو عن فشلك في ضغط الزر في اللحظة المناسبة لذا لن تنتهي اللعبة إن فشلت في الضغط على الزر في اللحظة المناسبة ولن تتجاهل أيضاً إختيارك تماماً ، فكل ما تفعله في اللعبة سيفرق وسيكون عاملاً مؤثراً في احتساب النهاية التي ستراها ، وربما لهذا عانت اللعبة من شاشات العرض الطويلة والمستمرة والتي في اوقات كثيرة ستجعلك تشعر بالممل .

لا تختبأ اللعبة وراء الحواجز والنقاط التي تخاف الالعاب الاقتراب منها ، بل تواجهها بكل صراحة وتحدي 

من الأمور التي أعجبتني في اللعبة إهتمامه بالتفاصيل الصغيرة للغاية ، مثل اللحظة التي تقرر فيها أن تكسر قيود الأندرويد الخاص بك ، ستعطيك اللعبة جدار أحمر سيكون عليك تكسيره ، كما أن كل حركة تقوم بها تتطلب ضغطة زر مختلف ولكل ضغطة زر نتيجة مختلفة عن سابقتها أيضاً عندما تبدأ اللعبة ستظهر لك أندرويد – جميلة للغاية صدقاً – سترحب بك وستتحدث معك وستشعر بأنها الأندرويد الخاص بك وبأنك تمتلكها طوال الوقت وستتغير رسالتها بناءاً على تغير إختياراتك في اللعبة ، كما قلت الأمور الصغيرة تهم وتعطي معاني جديدة للعبة وتشعرك بفردية التجربة وبأنها مخصصة لك ، مع الأسف أن هذا النوع من الألعاب ليس مخصصاً للجميع ، فهو يستهدف سوقاً خاصاً وضيقاً للغاية ، ففئة قليلة من الناس سيكون لديها الإستعداد لتدفع 60 دولار في لعبة مثل هذه بمدة لعب قصيرة بعض الشيء .

تقدم لنا اللعبة عالماً واقعياً وأبعد ما يكون عن الخيال ، أحداثها تدور في 2038 في نسخة مستقبلية من عالمنا وتحديداً ديترويت ، وعلى عكس الألعاب التي تأخذ إتجاه الـCyberPunk او حتى الألعاب التي تتحدث عن المستقبل بشكل عام فإن هذه اللعبة ستقدم لك عالماً يمكن تصديقه ، كل ما ستراه أمامك منطقي وواقعي وقد تراه في يوم من الأيام ، هناك السيارات التي تقود نفسها ، المجلات التي تعمل باللمس ، الهواتف التي على شكل ساعات ويمكنك الرد عليها ، ناطحات السحاب والشاشات الالكترونية في كل مكان ، كل هذا معاً سيساعدك على الإنغماس في عالم اللعبة وعلى تصديق اللعبة وتصديق أسئلتها وقضيتها بشكل أكبر .

تقتبس اللعبة الكثير من الأمور من أعمال أخرى تحدثت عن نفس الموضوع ، هناك إشارة واضحة لـBlade Runner بالإضافة إلى إشارات متعددة لمسلسل Westworld سواءاً كان في المجلات او حتى في حوارات الشخصيات معاً ، أيضاً كما قلت فإن اللعبة ستواجه الكثير من التحديات الحقيقية والمعارك الفسلفية الحقيقية كالعبودية والـ LGBT بالطبع والنازية والإضطهاد وبالتأكيد العنف الأسري من دون أي خجل او محاولة لتجميل الأمور .

رسومياً لا غبار على اللعبة ، وأنا هنا أعني أنه لا غبار عليها نهائياً وسأدع الصور تتحدث عن هذا الأمر ، تعامل الجزيئات مع مختلف العوامل وردة فعلها المختلفة معها لا غبار عليه ويضفي المزيد من الواقعية عليها وهذا أيضاً بالإضافة إلى اعتماد اللعبة على تأثيرات الضوء والسوائل المختلفة وتنعيم الحواف وتجسيمها لتعطيك احساسا مدهشاً بالواقعية المبالغ فيها وبالجودة المذهلة لها ، تجربتي للعبة كانت على منصة الـPs4 القديمة ودعوني أخبركم بأن المنصة كانت تعاني لتعمل بكامل قوتها ولتخرج الصورة النهائية للعبة بهذا الشكل ، يمكننا القول بأن اللعبة رسومياً هي الأفضل على الجيل الحالي بدون أي منازع .

والآن نأتي للحديث الذي سيجعل الكثيرين غاضبين ، وهو الحديث عن ترجمة اللعبة ودبلجتها ، في البداية دعني أقول بأن اللعبة جاءت “باللغة العربية ” من أجل الاعبين العرب وأنت كلاعب عربي اياً كانت جنسيتك ستقوم بتحميل اللعبة من خلال متجر عربي أياً كانت جنسيته ، لن تتوجه إلى المتجر المصري لتحملها من هناك – لا يوجد واحد بالطبع – ولن تتوجه للمتجر الإماراتي إن كنت ترغب في تحميلها باللهجة الخليجية ، لذا فأنا هنا أتحدث عن تعريب اللعبة ودبلجتها ولا أرى أي ميزة توجه للشعب المصري حصرياً بكون اللعبة بلهجتهم فهناك الكثير من المميزات الأخرى التي نرغب بها قبل أن نرى لعبة بلهجتنا ولذا سأقيم هذا العمل الفني بطريقة وشكل حيادي للغاية بعيداً عن اي تحييزات وطنية او قبلية .

هذا وقد أخرجنا هذا الأمر من الطريق ، فإن العمل الصوتي والترجمة في اللعبة الجانب الوحيد الذي جعلني متحيراً ، الفصل الأول والمهمة الأولى غاية في السوء ، وهو الفصل الذي ظهر في الـDemo والذي كنا قدمنا إنطباعات عنه في وقت سابق ، بعد ما ينتهي هذا الفصل وبعدما تظهر الشخصيات الأخرى والشخصيات الثانوية التي سنتعامل معاها ستجد أن هناك تميز مدهش وواضح في الأداء الصوتي خصوصاً ممثلي : هانك وكارل وماركوس ، هؤلاء قدموا أحاديث ومشاهد حوارية من الدرجة الأولى والتي جعلتني في الكثير من الوقت أقف حائراً غير قادر على تكوين رأي ، والتذبذب الواضح في مستوى الترجمة والدبلجة هو السمة الغالبة على اللعبة ، بعض الأحيان ستجد الدبلجة ممتازة للغاية لدرجة انك ستشعر أنك تشاهد فيلم مصري وأن هؤلاء الممثلين مصريين ومن كتب النص وأخرجه مصري ، وأوقات أخرى وشخصيات أخرى ستشعر معها بأن من عمل على هذه الدبلجة والممثلين لا يقربون إلى المصريين بصلة وربما لا يستطيعون الحديث باللغة العربية بشكل جيد .

الإستوديو الذي قدم هذا العمل المدبلج هو أستوديو جيد على ما يبدو ، ولكن أظن أن هناك بعض المشاكل في الـQuality Control فبعض الأحاديث والنقاشات لا ترتقي إلى مستوى اللغة العامية السيئة وبعضها الأخر مدهش للغاية ولا يستعصي على أحد فهمه ، وهذا أمر محزن ، أعني لقد تمكنتم من تقديم أداء صوتي جيد في بعض الأوقات ، لماذا التراجع ولماذا يتحول الأمر لأداء صوتي سيء في اوقات أخرى ؟!

مع الأسف أن هذه القصة المذهلة تم تقديمها في قالب QTE’s و Interactive story Telling وهذا سيظلمها بعض الشيء لصغر حجم سوقه والمهتمين به ، وقبل أن نتوجه للتقيم هناك نقطة واحدة أود أن أوضحها وأجعلها تصل إلى الجميع بشكل جيد ، هذه اللعبة لا يمكن أن تقارن بألعاب عادية أخرى مثل God of War أو The last of us كمثال وليس من المنطقي أن تنتقد اللعبة لما ليست عليه ومالا تحاول ان تقدمه ، فمنذ البداية ومنذ اليوم الأول والشركة تقول بأن هذه اللعبة مثل باقي ألعابها وتعتمد على القصة والأحداث السريعة وليس الجيم بلاي وأسلوب اللعب والمغامرة وتنوعها لذا فإن مقارنتها بباقي الألعاب ظلم بين وصارخ لها ، وإن كان لابد من المقارنة فقارنها بألعاب تقدم نفس النوع من أسلوب اللعب مثل life is strange وغيرها من هذه النوعية ، وبناءاً على هذا الكلام فإن هذه اللعبة هي أفضل لعبة QTE’s وقصة أنا جربتها في ال5 سنوات الماضية سواءاً كان على مستوى أسلوب اللعب أو حتى على مستوى القصة والرسوميات وتقديمها والطريقة التي اعتمدوا على تقدييم اللعبة فيها .

تقييمنا النهائي للعبة 8 من 10  .

حول الكاتب

أحمد حسن

" الواقع مكسور ، مصمموا الألعاب يمكنهم إصلاحه "
أحد مؤسسي الموقع ، وأجد أن القصة الجيدة يمكنها أن تبرر أي سخافة في اللعبة فهي من تضفي تجربة مميزة على عالم اللعبة .