كون هدفه الأول هو نسيان ماضيه المؤلم والابتعاد عن الوطن بكل ما يحمله من مآسي وأحزان قدر المستطاع، أعتزل “كريتوس” الحياة هو وأبنه وعاشوا لفترة طويلة في ما يشبه العزلة في منطقة تخلو من أي مظاهر للحياة باستثناء مجموعة من الأشجار تحاصر منزلهم الخشبي البسيط واسراب الطيور المهاجرة التي لا يثير اهتمامها أي شيء في تلك البقعة النائية وتحاول الهروب من البرد القارص في أسرع وقت، ولكن سرعان ما يقطع هذا الصمت صوت زائر متعجرف يبحث عن شيء مبهم، وبالنظر لتجارب “كريتوس” السابقة وطريقة تعامله مع الأغراب، توقعت كيف سينتهي هذا النقاش المحتدم وبالفعل لم يخيب المحارب الإغريقي ظني.

“كريتوس” الذي كان رافضا تماما لمقترح “أتريوس” بخصوص الوصول لأعلى قمة جبلية ونشر رفات والدته الراحلة لتخليد ذكراها، عدل عن رأيه فجأة لعدة أسباب أبرزها تدريب أبنه على النجاة في هذا العالم الموحش والابتعاد عن منزله قدر المستطاع بعد الزيارة الغير متوقعة أملا أن يكون هذا الأمر كافيا في إبعاد أي خطر عن “أتريوس” وفي نفس الوقت يبحث عن إجابات لأسئلة عديدة تشغل ذهنه، من هنا ينطلق الاثنان في مغامرة لا تنسى يواجه خلالها بطلنا أشهر الآلهة من الأساطير الإسكندنافية ويزور العديد من الأماكن المثيرة للإهتمام في قصة درامية تزداد إثارة وتشويق كل لحظة رغم بساطة أحداثها الرئيسية، ويعيبها فقط عدم وجود الكثير من الإجابات بشأن ما حدث للبطل بعد نهاية الجزء الثالث واقتصار الأمر على مرحلة ما بعد وفاة زوجته في ظل تكتم “كريتوس” الدائم بشأن ماضيه ومحاولاته المستميتة في إنكار حقيقته أمام أبنه الذي بدوره يتعجب من قدراته الغير مألوفة التي يكتشفها شيئا بشيئا ويبدأ في التسائل من فترة للاخرى حول أصول أبيه وقوته المبالغ فيها وكيف قابل والدته، تلك الأسئلة التي يجيب عنها كريتوس باختصار شديد أو يتجاهلها في معظم الأحيان.

بعيدا عن نبرة صوت “كريتوس” المخيفة والأداء الصوتي المذهل الذي قدمه المبدع “كريستوفر جادج”، سيلفت نظر أي لاعب المستوى الرسومي المبهر للعنوان والتصميم الدقيق للشخصيات ومستوى الرسوم المتحركة الأقرب للواقع، وقبل كل ذلك، تقنية One Shot Camera التي اعتمد عليها العنوان والتي منعت ظهور أي شاشات تحميل طوال مدة تجربتي المتخطية لأكثر من 35 ساعة لعب، طوال تلك الفترة لم يتم إيقاف كاميرا التصوير نهائيا عند الإنتقال إلى لعروض المسجلة أو عند الحديث مع أي شخصية، هذا الأمر ساعد في الإندماج مع ما يحدث بشكل مبهر سواء طريقة الانتقال السلسة بين العروض وأسلوب اللعب لدرجة أنك لن تستطيع التفرقة بينهما، أو الأفكار المبتكرة التي طبقها استديو Santa Monica لتنفيذ تلك التجربة بنجاح مثل استخدام ميزة السفر السريع بشكل ذكي دون الحاجة للنظر لشاشات التحميل لعدة دقائق قبل الوصول لوجهتك.
 
اسم God of War يمتلك شعبية ضخمة بالنظر لكون السلسلة أحد أفضل وأشهر الألعاب التي ظهرت على أجهزة PlayStation ورغم المستوى السينمائي المبهر الذي قدمه العنوان لحظة الكشف عنه، إلا أن البعض أبدى قلقه من اسلوب اللعب وكونه مختلف بشكل جذري عن الأجزاء السابقة، وبعد تجربة اللعبة لفترة كافية، يمكن اعتبار أسلوب اللعب هو التغيير الأفضل الذي شهدته اللعبة، حيث يعتمد “كريتوس” هنا على فأس Leviathan المصمم من قبل الأخوان “سيندري” و “بروك” أحد أشهر الأسماء في الأساطير الإسكندنافية والمسؤولين عن صناعة مطرقة “ثور”، توفر الفأس لبطلنا القدرة على إصابة اعداءه لأول مرة من مسافات بعيدة وتوجيه ضربات مركزة أو خفيفة بحسب العدو الذي يواجهه والأدوات التي يعتمد عليها، في نفس الوقت لدى “كريتوس” القدرة على استخدام الدرع لأول مرة لحماية نفسه من الهجمات طويلة المدى أو إيقاف هجوم وشيك واستغلال الأمر لصالحه ومن ثم شن هجوم مضاد.

أحدث الإضافات لترسانة “كريتوس” هو ابنه “أتريوس” فرغم صغر حجمه وتصرفاته الطفولية إلا أنه يتطور كلما تقدمت في الأحداث ويصبح ذو فاعلية ملحوظة في الاشتباكات من خلال تشتيت انتباه الأعداء

طريقة استخدام الفأس في الإشتباكات تختلف بحسب نوع الخصم، فمواجهة غول عملاق لن توفر لك الأفضلية لإستخدام الفأس لإحداث ضرر بالغ من مسافة آمنة أو تثبيت خصمك في الأرض، بعكس مواجهة الـDraugr الوحوش الأصغر حجما والتي يمكن القضاء عليها بالاعتماد على الضربات الخفيفة المتتالية فقط، هناك العشرات من الأعداء بتصميمات وقدرات مختلفة، وبدون ذكر أي تفاصيل، أفضل أن أترك تلك الجزئية للاعب لإكتشافها بنفسه والتعرف على مدى العمق والتنوع الذي توفره اللعبة في هذه الجزئية وكيف تتطور الإشتباكات بمرور الوقت لتصبح أقرب إلى ملحمة تضطر اللاعب لاستخدام جميع قدراته والمهارات التي اكتسبها والتغيير بينها طوال الوقت.

أحدث الإضافات لترسانة “كريتوس” هو ابنه “أتريوس” فرغم صغر حجمه وتصرفاته الطفولية إلا أنه يتطور كلما تقدمت في الأحداث ويصبح ذو فاعلية ملحوظة في الاشتباكات من خلال تشتيت انتباه الأعداء واستخدام السهام لإصابتهم بموجات كهربائية أو إحداث ضرر بالغ، بمرور الوقت يمكن لكريتوس تطوير أدواته وأسلحته ومهارته القتالية لتصبح أكثر فعالية وقوة كلما تقدم في الأحداث، بنفس الطريقة تتطور مهارات “أتريوس” كالقدرة على استخدام السهام بصورة أسرع أو القفز على الأعداء من الخلف واعطاء الفرصة لوالده للقضاء عليهم أو من خلال إيجاد الممرات الخفية والوصول للأماكن المرتفعة ومساعدة كريتوس في بلوغ هدفه.

لتطوير الأسلحة والأدوات المختلفة سيجد كريتوس نفسه مضطرا لحل مجموعة من الألغاز، تلك الألغاز متنوعة بشكل مبهر بالنظر لحجم اللعبة وطول أحداثها ولا تتكرر سوى في مواقف محدودة للغاية، هذا الأمر اختيارا بشكل كامل، فهذه الألغاز توفر القدرة على فتح صناديق مختلفة توفر قطع وأدوات وقدرات جديدة لبطلنا، وبمجرد العثور على تلك القطع يمكن تطوير قدرات “كريتوس” تلقائيا كالحالة الصحية أو من خلال الذهاب الى “سيندري” و”بروك” والإستماع الى تذمرهم الذي لا ينتهي.

ولإضافة المزيد من العمق والتنوع لأسلوب الإشتباكات، يمكن للاعب تطوير قدرات الفأس كحجم الضرر الذي يسببه للأعداء أو تطوير الملحقات الخاصة بالفأس Runic والتي تتيح للاعب إضافة أثنين من المهارات القتالية المؤثرة التي يتم تنشيطها من خلال ضغط زر L1 بجانب زر أخر، ويعثر اللابع على العشرات من تلك القطع بشكل مستمر قبل أن يستقر على القدرات الأفضل التي تسعده بشكل أكبر في ساحة المعركة، خيارات التطوير والتخصيص لا تقتصر على أسلحة “كريتوس” فقط بل تشمل جميع الدروع التي يرتديها والتي يمكن تطويرها بشكل منفصل حيث تعمل كل قطعة على تطوير مجموعة من الإحصاءات مثل Strength و Luck والتي تؤثر مباشرة على قوة كريتوس وقدرته على هزيمة أعتى الخصوم، كل تلك الخيارات توفر للاعب ساعات طويلة من البحث والتنقيب للعثور على عناصر أفضل، وفي نفس الوقت تجعل أسلوب اللعب أكثر عمقا ودقة خاصة في النصف الثاني من الأحداث.

لا تقتصر المعارك والإشتباكات على هذه الجزئية فقط، بل لدى “كريتوس” قائمة ضخمة من المهارات التي يمكن تطويرها بمرور الوقت من خلال نقاط الخبرة التي يكتسبها اللاعب عند حل الألغاز أو عبور مهمة معينة أو اكتشاف منطقة جديدة، تلك القائمة تشمل الإشتباكات اليدوية والدرع والفأس وحتى مهارات “اتريوس” وقدرته على استخدام الرماح، ولسوء الحظ لن يتمكن اللاعب في النصف الأول من أحداث القصة من تطوير تلك القائمة بصورة سريعة مما جعلني شخصيات اشعر بالتكرار نوعا ما عند مواجهة الأعداء، ولكن على ما يبدو أن لهذا الأمر علاقة مباشر بطريقة عرض القصة وتطور علاقة “كريتوس” و”اتريوس” بمرور الوقت، أما في النصف الثاني من الأحداث فسيجد اللاعب نفسه أمام قائمة ضخمة جدا من القدرات وخيارات التخصيص التي ستجعل كل معركة يخوضها مختلفة بدرجة كبيرة عن أي مواجهة سابقة.
 
لا تعد God of War الجزء الأفضل في مسار السلسلة من حيث الإثارة وطريقة السرد والشخصيات، وإنما من حيث حجم العالم الافتراضي، حيث يتم وضع اللاعب في عالم شبه مفتوح مع وجود حرية كاملة في التنقل من منطقة لأخرى والعودة لأي نقطة مجددا، أضف إلى ذلك وجود محتوى مهوول يستلزم نفس عدد الساعات المطلوبة لإنهاء القصة الرئيسية وربما أكثر في ظل وجود مهام جانبية والعديد من الأدوات والقطع الأثرية التي يجب جمعها، وعشرات الأعداء والزعماء بعيدا عن القصة يمكن التطرق لهم في أي وقت، ومئات الوثائق والرموز التي تعرفك أكثر على ثقافة المنطقة وسكانها ، مما يجعلها واحدة من أفضل الألعاب من حيث المحتوى وجودة المنتج مقابل السعر.
فريق Santa Monica يستحق الثناء بفضل الجهود العظيمة التي قدمها في كل عنصر، فبالرغم من أن اسلوب اللعب شهد تغييرات جذرية، قدمت اللعبة قصة وأحداث تبدأ بشكل بسيط وتتطور باستمرار لتتحول إلى ما يشبه تجربة سينمائية خالصة في عالم شبه مفتوح يتيح للاعب الفرصة لفعل ما يحلو له، طوال عمر القصة الممتد لقرابة 18 ساعة سيمر اللاعب بأوقات عصيبة وأخرى عاطفية وتارة ستجد الأحداث جدية ومتتابعة بشكل مذهل، وتارة اخرى تستمع الى التعليقات الساخرة التي تتهكم على الآلهه الإسكندنافية أو تسخر من تصرفات بعضها.
 
هناك عشرات الألعاب التي انهيتها دون أن أشعر بوجود أي تغيير طرأ على البطل مقارنة ببداية الأحداث، في الواقع يمتد الأمر ليشمل الأفلام السينمائية أيضا في ظل وجود شخصيات يتم تقديمها بشكل مبهر ولكن سرعان ما أفقد اهتمامي بها بسبب التصرفات التي اجدها غير منطقية أو مبالغ فيها في كثر من الأوقات، ولكن في God of War شعرت بكل تغيير طرأ على “كريتوس” بعد كل موقف عصيب مر به، وكيف لشخص مثله قضى معظم فترات حياته بين التدريب الشاق والحروب المميتة أن يتحول إلى رب أسرة لديه القدرة على التواصل مع ابنه وكسب ثقته، هذا الأمر استغرق معظم أحداث اللعبة تقريبا ولكن في النهاية ستجد “كريتوس” سريع الغضب الذي لا يطيق النقاش يتحول إلى شخص عقلاني أكثر لا يمانع الأستماع لنصائح ابنه الصغير ويحاول اظهار اهتمامه بمشاعره وأفكاره حتى وأن كانت ساذجة وغير مجدية، ساعد في هذا الأمر الأداء الصوتي الممتاز من قبل “كريستوفر جادج” الذي أعطى كريتوس المزيد من الوقار والقوة بفضل قدرته على التفاعل مع كل موقف بشكل مثالي ساهم في اندماجي مع الأحداث بصورة لم أكن أتوقعها.
 
الأداء الصوتي لجميع الشخصيات بلا استثناء لا يشوبه شائبة، أما الموسيقى التصويرية فحدث ولا حرج، سواء تلك النغمات الرنانة التي تستمع اليها في المعارك الطاحنة، أو الموسيقى الهادئة التي تستمع اليها في الخلفية عند الوصول لحقيقة أو مفاجأة جديدة، باختصار، تعتبر اللعبة خطوة للأمام فيما يخص الموسيقى والأصوات نظرا للدقة المتناهية التي ظهرت عليها في هذه الجزئية.

حول الكاتب

مصطفي جاد

مؤسس مشارك للموقع، مجنون بصناعة ألعاب الفيديو ومتعلق بها لأقصى درجة، لا أمانع قضاء ساعات طويلة في تجربة أي لعبة تنتمي لفئة العالم المفتوح، طالما تتضمن أفكار جديدة.