مراجعة Kingdom Come: Deliverance

ظلت Kingdom Come: Deliverance قيد التطوير لفترة طويلة مع وجود شريحة كبيرة من اللاعبين تترقب بحذر مشروع Warhorse Studio الطموح ومحاولة العمل على لعبة أر بي جي مختلفة تتسم بالواقعية عوضا عن الفانتازيا، وبعد فترة انتظار صدر العنوان أخيرا ليقدم لنا أحداث تاريخية تركز على مملكة Bohemia في فترة العصور الوسطى، أحد أبرز ممالك الأمبراطورية الرومانية، ولكن لطالما كان الهدف الأساسي من ألعاب الفيديو هو الترفيه والمتعة، فهل نجحت اللعبة في ذلك، أم أن الواقعية المبالغ فيها أثرت بالسلب على تفاعل المستخدمين مع الأحداث؟ هذا ما نحاول سرده من خلال مراجعتنا للعبة المتاحة حاليا للحاسب وXbox One وPS4.

Deliverance تأخذنا في رحلة تعود بنا للعام 1403 ميلاديا، حينما انطلقت شرارة الحرب في مملكة Bohemia بناءا على أوامر الملك المجري “سيجسموند”، حيث قام المرتزقة بمهاجمة أحد أبرز المدن الاقتصادية والتي تعتمد على الفضة كمصدر رئيسي للدخل، ونجى من تلك المجزرة بطلنا “هنري” أبن أحد المواطنين البسطاء الذي يعمل كحداد، وبعد أن شاهد الخراب والدمار التي جلبته تلك الحرب، قرر هنري الأنضمام لقوات اللورد Radzig Kobyla قائد حركة المقاومة بهدف الوقوف في وجه قوات “سيجيسموند”، ورغم أن الأمر يبدو كما لو أن “هنري” يحاول الإنتقام لعائلته التي فقدها، إلا أنه كان يفعل ذلك بهدف إعادة الأمن والاستقرار للمملكة، وتنصيب الملك “ينسيسلاوس الرابع” كحاكم للبلاد عوضا عن أخيه غير الشقيق “سيجسموند”.

بغض النظر عن المظهر العام للعبة الذي سيكون ظالما بدون شك في حال مقارنة العنوان مع The Witcher 3، إلا أن اللعبة بوجه عام توفر نفس الشعور، حيث يجد المستخدم نفسه في عالم افتراضي ضخم يعتمد على عناصر ألعاب تعاقب الأدوار بشكل واضح وصريح ويقدم أفكار مختلفة لم تتطرق لها ألعاب هذا النوع من قبل سواء كانت تلغ التغييرات إيجابية أو سلبية، هنا يتفاعل اللاعب مع الأحداث من منظور الشخص الثالث مما يضطرك للتركيز في التفاصيل ونماذج الشخصيات والعناصر المختلفة المنتشرة في العالم الإفتراضي، وهو ما يترتب عليه آراء سلبية نظرا للجودة المحدودة التي تقدمها اللعبة، الأمر هنا أشبه بمشروع ذات تكلفة إنتاج صغيرة نوعا ما مما ظهر بوضوح في كافة العناصر تقريبا بطريقة أو بأخرى، ولكن هذا لا يمنع كون اللعبة تمتاز بالصعوبة والواقعية في نفس الوقت، وهو ما ترتب عليه مواقف مثيرة ومهام ممتعة بطريقة غير تقليدية.
 
تبدأ الأحداث بطريقة بسيطة يتعرف فيها المستخدم على البيئة والعناصر والخطوط الرئيسية للقصة، ولا يمر الكثير من الوقت قبل أن يجد “هنري” نفسه وحيدا ويقرر الإنضمام لقوات المقاومة، وبالنظر لكون الشخصية الرئيسية يأتي من طبقة إجتماعية محدودة نوعا ما، سيجد “هنري” أن لا سبيل أمامه لاكتساب ثقة الآخرين والوصول لمستوى أفضل في التسلسل الهرمي للمملكة إلا من خلال عمله بجد وتنفيذ الأوامر التي تطلب منه بحذافيرها.
 

وبالرغم من أن اللعبة تبدو أقل بريقا من ألعاب الأر بي جي الأخرى في جوانب عديدة، إلا أنها تمتلك الكثير من المظاهر الجمالية والتصميمات التي ستجذب اللاعبين سواء المناطق الريفية أو المدن المكتظة بالسكان وتطرق معظمهم للأنشطة اليومية الاعتيادية، أو حتى المعارك الضخمة التي تظهر جانب قبيح من حقبة العصور الوسطى، الواقعية هنا ليست حكرا على اسلوب اللعب والاشتباكات فقط وانما تمتد لتشمل سيناريو اللعبة والحوارات المختلفة بين الشخصيات الافتراضية التي تحاول أن تجذب انتباه اللاعب من خلال التطرق لمواضيع شائكة ميزت تلك الحقبة كالنظام الطبقي ودور الدين في حياة المواطنين والمزايا التي تحصل عليها فئة الفرسان، إلا أن تلك المواضيع لم تكن عميقة بدرجة كافية، أو تلعب أي دور بارز فيما ستؤول إليه الأحداث مستقبلا.

نفس الأمر ينطبق على نظام المحادثات، فكل مشهد سينمائي يتطرق له اللاعب أو أي شخصية رئيسية يتوقف للدردشة معها قليلا سيجد نفسه أمام عدد من الخيارات التي تعبر عن شخصيته وافكاره بحسب ما يستقر عليه، ولكن تلك الخيارات في المجمل ستشعر اللاعب بأنه أمام مشروع طموح ولكنه محدود الإمكانيات، وبالتالي سيصبح الأمر بعد فترة ممل وغير مجدي بطريقة أو بأخرى، ولكن على الجانب الأخر وفر العنوان تنوع ممتاز في محتوى المهام الذي قدمه، والتي تنوعت ما بين حل جرائم القتل والأشراف على احتفالات الكنيسة أو القضاء على الهراطقة وتخليص السكان من أفكارهم المسمومة.

السبب الرئيسي في ترقبي للمشروع وانتظاره طوال الفترة الماضية هي المعارك والاشتباكات المميتة التي ظهرت في العروض الترويجية والتي تتسم بالواقعية والاعداد الضخمة من المقاتلين، المعارك هنا ليست عشوائية كما اعتقدت، فالأمر مرتبط بالمستوى الذي وصل إليه اللاعب ومهارته القتالية، وبناءا على ذلك يمكن التطرق للعديد من المعارك، أبرز عيوب تلك الجزئية هو منظور الشخص الأول الذي يجعل التحكم في وتيرة الأحداث صعب بدرجة كبيرة في ظل عدم قدرتك على التركيز فيما يحدث حولك، أضف الى ذلك توجيه العديد من الضربات الغير مجدية بسبب المسافة الكبيرة بينك وبين خصومك، والتأخير الملحوظ في تنفيذ بعض الحركات القتالية مما جعلني استشيط غضبا في العديد من المهام.
 
على الجانب الأخر يمكن لضربة واحدة أن تكون سببا في التخلص من خصمك، حيث يمتاز النظام القتالي بالدقة الشديدة، وضرورة قراءة خصمك وانتظار اللحظة المناسبة للإنقضاض عليه، وبمرور الوقت، يكتسب اللاعب مهارات أكتر تساعده في السيطرة على أي معركة يتطرق لها، سواء توجيه ضربة مميتة بعد صد هجوم مباغت من خصمك، أو استغلال تمرز الحراس بشكل خاطيء للقضاء عليهم في سرعة تامة، هناك خيارات أكثر تنوعا كالإعتماد على التسلل والتخفي واستخدام القوس في اصطياد خصومك، ولكنك ستحتاج الى فترة تدريب طويلة لإتقان هذا الأمر و ستعاني في البداية من عدم قدرتك على إصابة خصومك بدقة.
 

بالطبع هناك خيارات أخرى لتجنب تلك المعارك كقدرة “هنري” على الأقناع والتحدث بثقة مع الآخرين، أو نظافته الشخصية أو الدرع الذي يرتديه أو حتى فترات النوم التي قضاها، كل تلك العوامل تتجمع سويا وتساهم بشكل أو بأخر في تجنب المعارك والاعتماد على المحادثات النصية عوضا عن إشهار سيفك في وجه كل من يعترض طريقك.


ما نال إعجابي حقا هو الأهتمام بأدق التفاصيل بشكل ممتاز لم يسبق لي تجربته في أي لعبة أر بي جي سابقا، حيث يمتلك “هنري” شجرة مهارات متنوعة وبناء على المهارات التي اكتسبها يمكن التطرق للمهام المختلفة، على سبيل المثال يفتقد اللاعب العديد من المهام إذا كان لا يستطيع القراءة، كذلك اكتسب سمعة سيئة وسيرفض السكان التعامل معه إذا استمر في التعاون مع اللصوص وقطاع الطرق ومساعدتهم، أما إذا حاول المستخدم التحدث مع شخص نبيل بعد إنتهاء أحدى المعارك وهو مغطى بالدم والطين، سيتجاهلك الشخص الأخر تماما ولن يتحدث معك إلا بعدما تظهر بشكل مناسب.
 
ورغم مساحة البيئة الإفتراضية الضخمة، إلا أنها Kingdom Come: Deliverance تعتبر واحدة من اسوء الالعاب التي تكافيء اللاعب نظير التجول والاستكشاف، حيث لن تجد أي أدوات أو معدات مثيرة للإهتمام ناهيك عن افتقاد اللعبة للتنوع في الأعداء والاستمرار في مواجهة اللصوص مرارا وتكرارا، بالإضافة إلى العوائق التي تعترض طريقك كلما تجولت لبعض الوقت في منطقة محدودة ووصلت لنهاية الخريطة.

حول الكاتب

مصطفي جاد

مؤسس مشارك للموقع، مجنون بصناعة ألعاب الفيديو ومتعلق بها لأقصى درجة، لا أمانع قضاء ساعات طويلة في تجربة أي لعبة تنتمي لفئة العالم المفتوح، طالما تتضمن أفكار جديدة.