مراجعة The Evil Within 2

 “الحياة لا تقف على شخص واحد” جملة كثيرا ما يتم ترديدها عند مواساة أي شخص في فقدان أحد أفراد عائلته او اصدقائه، ورغم استخدام تلك الكلمات لتخفيف الحزن والألم إلا أنها لا تفعل ذلك في الحقيقة، في الواقع قد تتوقف حياة أحد الأشخاص بالفعل عند رحيل شخص آخر تجمعهما سويا علاقة قوية، مثل المحقق “سباستيان” الذي واجه الموت أكثر من مرة في أحداث الجزء الأول من Evil Within ورغم ذلك لم يفقد الأمل في النجاة وتمسك بالحياة لآخر لحظة إلى أن نجح في مسعاه، لكن “سباستيان” الذي يبدو كشخص متزن وعقلاني لم يتحمل فكرة فقدانه لابنته الوحيدة في حادثة مروعة، واستمر في تحميل نفسه ذنب موتها إلى أن شارف على فقدان عقله بسبب العقاقير والمواد الكحولية التي يداوم تناولها طوال اليوم.

في فترة وجيزة تحول المحقق الشهير من شخص ناجح وملتزم في حياته إلى سكير يسكن النوادي الليلية ويفتعل المشاكل مع الغرباء في سبيل نسيان أحزانه حتى ولو لدقائق معدودة، إلى أن عاد إليه الأمل في الحياة مرة أخرى بعدما أيقن أن ابنته مازالت على قيد الحياة وهناك أمل في استعادتها مجددا، ولكن لفعل ذلك سيتوجب عليه خوض مغامرة أكثر خطورة وشراسة من أحداث الجزء الأول من خلال الذهاب الى مدينة Union الإفتراضية محاولا استعادة النظام مرة أخرى والسيطرة على المختل الذي يحاول تدمير النظام بالكامل، واستعادة ابنته مرة أخرى والتي تعد العنصر الأساسي في استخدام منصة STEM لربط عقول البشر ببعضهم البعض في عوالم خيالية.

 
التغيير الأول والأكثر وضوحا الذي شهدته اللعبة مقارنة بجزئها الماضي هو وجود بيئة عالم مفتوح تسمح للاعب بالتجول بحرية وخوض المعارك التي يفضلها، ولوصف الأمر بصورة أدق، نحن هنا أمام عالم شبه مفتوح حيث تتاح لك منطقة محدودة للتنقل داخلها وتنفيذ بعض المهام الفرعية أو العثور على الذخيرة والأسلحة والأدوات الهامة التي فقدها فريق الإخلاء بعد الفتك بهم من قبل المخلوقات المتحولة التي تسيطر على المدينة، تلك الميزة تحديدا ستجعل أي شخص بلا استثناء يقارن اللعبة بتجارب أخرى قدمت أجواء مشابهة مثل Resident Evil و Silent Hill، رغم ذلك تظل فكرة التجول والاستكشاف معتمدة هنا بصورة أكبر على الأكشن مقارنة بالرعب، بمعنى آخر، إذا كنت تمتلك ذخيرة كافية ستتمكن من التجول بحرية والقضاء على تجمعات الأعداء ولكن دون وجود لحظات رعب أو توتر حقيقية، بعكس مهام اللعبة الرئيسية التي تركز على الموسيقى التصويرية ونظام الإضاءة الممتاز ومستوى الرؤية الذي يجعل اللاعب يشعر باستمرار بالرهبة والخوف كما لو أن هناك من يراقبه دوما.
 
وحتى لا أكون ظالما في تلك الجزئية، شعرت بالملل والتكرار بالفعل من مناطق العالم المفتوح التي اعتمدت على الأكشن بشكل خالص، كالذهاب إلى نقطة A والتخلص من خصومك والعثور على ما تبحث عنه، ولكن بعض المواقف أرغمتني على التوقف لبعض الوقت والتفكير بتمعن، واستغلال عناصر العاب التسلل والتخفي بصورة أفضل للوصول لهدفي بأقل خسائر ممكنة ودون فقدان معظم الذخيرة التي امتلكها، ولكن بالنسبة لي متعة اللعبة الحقيقية تجسدت في المواقف التي يجد فيها اللاعب نفسه وحيدا في منزل مهجور باضاءه خافته مع وجود اصوات مخيفة في الخلفية تؤكد وجود أمر مريب في الجوار يحتاج للتحقق، اضف الى ذلك موسيقى اللعبة التصويرية التي أصابتني بالتوتر حتى وأن اكتفيت بالاستماع اليها فقط دون الاهتمام بما يحدث على الشاشة، اللعبة بوجه عام تقدم تجربة ممتازة من حيث العناصر البصرية والصوتية ترغم اللاعب على الإهتمام بأحداثها حتى وأن كان يلعب بدون تركيز.
 
منذ فترة ليست بالقصيرة انقسمت العاب الرعب إلى فرعين، الأول يعتمد على عناصر ألعاب البقاء بشكل كامل ويوفر للاعب أقل عدد ممكن من الأسلحة والأدوات ويعتمد بشكل كامل على الهرب والتسلل، ونوع آخر يستخدم نفس العناصر السابق ذكرها ولكن يضاف إليها الأكشن بصورة أكبر كتوفير عدد ضخم من الأسلحة والمعدات والذخيرة والاعتماد على قوة البارود بشكل دائم في كل مواجهة، Evil Within 2 تقدم خليط من النوعين طوال أحداثها، حيث الرعب والتوتر والشعور الدائم بوجود من يراقبك في الخفاء وضرورة التنقل بهدوء وصمت، وفي نفس الوقت يوجد مواقف آخرى لن تنجح في عبورها إلا بالاعتماد على الأسلحة النارية وقتل أكبر عدد ممكن من خصومك قبل أن تتمكن من الهرب والوصول لمنطقة آمنة لإعادة ترتيب اوراقك والبحث عن عناصر مفيدة توفر الأفضلية في المواجهة القادمة.
 
عناصر التسلل والتخفي لا تمتلك أي جديد يذكر، حيث يمكن التنقل بخفة خلف اعدائك والقضاء عليهم سريعا دون إصدار أي ضجيج، ولكن على الجانب الآخر تقدم اللعبة باقة ضخمة من الأسلحة والمعدات التي تسمح للاعب بابتكار خطط واستراتيجيات مختلفة للتخلص من خصومه، الأمر هنا لا يقتصر على استخدام المسدس أو البندقية والتصويب بدقة على رأس عدوك، بل يتخطى هذا الأمر ليشمل خطط أكثر تطوير، مثل استخدام الـCrossbow الذي شهد تطور كبير في هذا الجزء ويعد الوسيلة الأفضل لاستخدام أساليب مختلفة في مواجهة الأعداء بالاعتماد على قنابل الدخان التي تجعل الرؤية اصعب للأعداء وتسهل للاعب مهمة القضاء عليهم، أو الاعتماد الذخيرة المتفجرة أو حتى الشحنات الكهربائية التي تجعل خصمك غير قادر على الحركة وتفتح دفاعاته تماما للقضاء عليه، هناك أيضا عناصر ذات أهمية كبيرة يمكن استغلالها لتشتيت تركيز الاعداء او ارغامهم على التحرك مثل الزجاجات الفارغة التي تعد وسيلة هروب ممتازة في حال تجمع عدد كبير من آكلي لحوم البشر حول المنطقة التي تتواجد فيها للإيقاع بك.
 

تقدم اللعبة نظام تطوير وتخصيص أكثر شمولا ودقة مقارنة بنظيره في الجزء الأول، ينقسم إلى 3 فروع رئيسية هي صياغة العناصر والمعدات وتطويرات الأسلحة، وتطوير قدرات المحقق “سباستيان” نفسه، يمكن للاعب إعادة التزود بالذخيرة في أي وقت من خلال العناصر التي يعثر عليها كالبارود وتحويلها الى طلقات للبندقية أو الرشاش الآلي أو المسدس، العقبة الرئيسية هنا التي ستواجه المستخدم هي قلة الموارد بحسب مستوى الصعوبة الذي يتطرق لها، وسيجعل هذا الأمر أي شخص يفكر أكثر من مرة قبل الاستقرار على العناصر التي يقوم بتطويرها بحسب أسلوب لعبه والأدوات التي يعتمد عليها.

 
هذا النظام شهد ميزة جديدة ايضا تساعد اللاعب على مواجهة خصومه بصورة أفضل من خلال القدرة على صياغة العناصر في أي مكان دون الحاجة لإيجاد workbench، ولكن في هذه الحالة ستحتاج إلى ضعف العناصر تقريبا لصياغة الأدوات الطبية مقارنة بتطويرها في الأماكن المخصصة لذلك، وهو عنصر آخر يزيد من توازن أسلوب اللعب ويجعل اللاعب يفكر مليا قبل استغلال العناصر التي بحوزته.
 
قدمت Evil Within 2 عدد ضخم ومتنوع من الأعداء طوال أحداثها بما في ذلك وحوش Guardian التي تحتاج إلى عدد ضخم من الذخيرة واستراتيجية تصويب دقيقة للقضاء عليها بنجاح، ومخلوقات Effigy الزاحفة والتي تتميز بالسرعة والانقضاض على اللاعب دون رحمة، والعديد من الشخصيات الأخرى التي تشهد تفاوت ملحوظ في القدرات وفي الذكاء الإصطناعي، حيث توجد أنواع من الأعداء تهاجم اللاعب على مرمى البصر وتستمر في مطاردته دون هوادة، في حين أن الذكاء الاصطناعي يصبح أضعف بشكل ملحوظ مع شخصيات أخرى مثل عدم قدرتهم على رؤية اللاعب أو مطاردته لفترة محدودة ثم العودة إلى أماكن تمركزهم سابقا، أو الأخطاء التقنية التي تجعل الأعداء عاجزين عن الحركة أو يستمروا في الدوران في دائرة مغلقة، كل تلك المشاكل ال تظهر سوى في المناطق المفتوحة، في حين أن الأعداء يصبحون أكثر قوة وبطشا عند مواجهتهم داخل منزل أو في منطقة مغلقة.
 
اللعبة بوجه عام تمتلك العديد من اللحظات المثيرة التي لا يمكن نسيانها، سواء كانت مهام رئيسية أو فرعية دوما هناك خطر محدق لا يمكن توقعه، حتى الأحداث الرئيسية رغم كونها بدأت بشكل ضعيف نوعا ما إلا أنه بمرور الوقت زادت إثارتها بشكل ملحوظ خاصة الجزء الثاني من اللعبة الذي يشهد تتابع الأحداث بطريقة سرد مميزة تتضمن مفاجآت عديدة لم تكن في الحسبان، وما يساعد على الاندماج مع ما يحدث حولك بصورة أفضل هي الموسيقى التصويرية المميزة والأداء الصوتي المرعب للأعداء والذي لم يكن بمثل تلك الدقة على مستوى الشخصيات الرئيسية خاصة “سباستيان” الذي اشعرني لوهلة بكونه أحد نجوم أفلام الأكشن بسبب ردود فعله المبالغ فيه عصبيته الدائمة حتى في المواقف التي لا تتطلب ذلك.
 
المستوى الرسومي للعنوان كان مميز سواء نماذج الشخصيات أو تصميم المدينة والأعداء أو نظام الإضاءة الذي يعد أحد أبرز مميزات اللعبة الرئيسية من حيث المظهر الجمالي للمراحل ومساعدة للاعب على الاندماج مع الأحداث وتوخي الحذر بصورة أكبر خاصة وأن المصباح الضوئي لا يضمن رؤية واضحة تماما في الأماكن شديدة العتمة، ولذلك وجدت نفسي مضطرا لفحص كل ركن في أي منطقة اقوم باكتشافها لضمان عدم التعرض لأي مفاجأة غير متوقعة قد تسبب لي أزمة صحية.

حول الكاتب

مصطفي جاد

مؤسس مشارك للموقع، مجنون بصناعة ألعاب الفيديو ومتعلق بها لأقصى درجة، لا أمانع قضاء ساعات طويلة في تجربة أي لعبة تنتمي لفئة العالم المفتوح، طالما تتضمن أفكار جديدة.