صدرت NieR: Automata في 7 مارس الماضي لأميركا الشمالية وقبلها بأسبوعين تقريبا لليابان لجهاز PS4 (صدرت للحاسب في 17 مارس)، لتقدم نسخة أضخم وأكثر تفصيلا من العنوان الصادر في جزءه الأول عام 2010 بالإعتماد على عناصر ألعاب الأكشن/أر بي جي وقصة تدور أحداثها في نسخة خيالية من كوكب الأرض الذي أصبح ساحة قتال مشتعلة بين الآلات وبعضها البعض سواء تلك التي ابتكرها البشر للدفاع عن أنفسهم أو التي عمل عليها الغزاة لضمان سيطرتهم على الكوكب.

nier-automata-2017-sd-540x960

قدمت اللعبة أحداث تتطرق للمستقبل المظلم الذي ينتظر البشر، ورغم السيناريوهات العديدة المشابهة التي سبق وأن شاهدتها في السينما وألعاب الفيديو، إلا أن الأمر مختلف في NieR: Automata، فالبشر لم يستمروا في نضالهم ضد الآلات التي ابتكرها الفضائيون للسيطرة على كوكب الأرض، بل فروا هاربين بعد أن فشلت كل وسائل المقاومة متخذين من القمر قاعدتهم الجديدة في محاولة لإسترداد موطنهم الأصلي، تاركين خلفهم الآف الآليين يعرفون بأسم Androids يمتلكون نفس صفات البشر ومظهرهم ولكنهم أقوى وأسرع بفارق كبير ويعدون آخر ما تبقى للبشرية من أمل، ومن هنا تنطلق رحلة 2B و9S في محاولة لا تقبل الفشل لإستعادة مجد الجنس البشري من جديد وإنهاء وجود الآلات على كوكب الأرض.

رغم أن القصة بدت لي في البداية ضعيفة نسبيا وغير مترابطة الأحداث، إلا أن الأمور بدأت تتضح بصورة أفضل وأكثر إثارة كلما استمريت في تجربة العنوان وخوض مهام وأحداث جديدة، وساعد في ذلك تنوع اسلوب اللعب والكم الكبير من التغييرات التي تطرأ عليه بشكل مستمر مما يجعل من المحال أن يشعر أي شخص بالملل في تلك الجزئية، فالأمر أشبه بتجربة 3 أو 4 ألعاب مختلفة في نفس الوقت، وبدا هذا الأمر واضحا في أول ساعة لعب عندما تلقت بطلتنا 2B أوامر بالذهاب إلى كوكب الأرض ومساعدة زملائها بالقضاء على الآلات التي تعيق مهمتهم الرئيسية بجمع البيانات والمعلومات وتحليلها لإيجاد حل يسمح لهم بالتخلص من تلك الماكينات العملاقة دفعة واحدة في سبيل إستعادة الكوكب مجددا.

فور وصول 2B إلى كوكب الأرض تتعاون مع زميلها 9S لتنفيذ مجموعة من المهام القادمة مباشرة من مجلس قيادة البشرية، ولن يمر وقت طويل قبل أن تبدأ كل شخصية في إثارة تساؤلات لا إجابة لها، مثل قدرة الآلات على التحدث والتواصل مع الأخرين، واتباعها لسلوكيات غريبة لا تفسير لها، ناهيك عن الأسرار والمعلومات السرية التي تمنع القائدة وصولها لكلا الطرفين وتحاول اخفائها عن عمد، خاصة وأن حياة الـAndroids أشبه بممالك العصور الوسطى، حيث الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر دون مناقشة أو طرح أي استفسار، وهو ما لم يلقى ترحاب لدى بطلتنا وزميلها من البداية، خاصة أن كل مهمة يتطرقون لها يترتب عليها اسئلة وأسرار أكثر مما تكشف.

لحسن الحظ فريق التطوير Platinum Games كان متكتم جدا حول أحداث اللعبة وتفاصيلها ولم يركز في عروضه الدعائية سوى على أسلوب اللعب الرئيسي hack n slash ولكن Nier إمتلكت في جعبتها أكثر من ذلك بكثير، بداية من معارك السفن الفضائية التي تركز على المراوغة والتخلص من خصومك بسرعة، ومرورا بمراحل ألعاب البلاتفورمر التي تشهد تغييرات كبيرة في كاميرا التصوير واسلوب اللعب نفسه الأقرب إلى ألعاب 2D ووصولا إلى اسلوب اللعب الرئيسي المعتمد على الإشتباكات القريبة والضربات المتتالية التي تتغير بحسب وضعية الشخصية الإفتراضية والأزرار التي يضغط عليها المستخدم، كل هذا بالإضافة لكون اللعبة تعتمد بشكل واضح على عناصر ألعاب الأر بي جي سواء في الخيارات المحدودة التي توفرها أثناء المحادثات أو في تعدد المقتنيات وإختلاف استخدامها بحسب الموقف الذي تمر به، أو في التصنيف الخاص باللاعب والأعداء.

655989

“من أجل مجد البشرية”

مرور مئات السنين دون وجود بشري على سطح الأرض بعد أخر صدام مباشر مع الآلات ترتب عليه دمار الكوكب وتغير ملامحه بدرجة كبيرة، بداية من ناطحات السحاب العملاقة التي كانت تآوي عشرات العائلات داخلها والتي تحولت إلى أماكن مهجورة شديدة العتمة يستخدمها الآليين كمناطق للتجمع أو تتخذها قوات المقاومة كمقرا لتنظيم عملياتها وشن هجوم ضد أماكن القوة لدى الأعداء، في حين أن اللون الأخضر والنباتات أصبحت تغطي كل شبر على السطح تقريبا سواء الشوارع الضخمة التي اعتادت أن تكون مكتظة بالمارة، أو أسطح المباني التي تحولت الى ما يشبه مزارع صغيرة، في حين أن أنابيب الصرف الصحي المتواجدة في المباني المنهارة تحولت إلى ما يشبه الشلالات التي لا تتوقف، لأجد نفسي أمام عالم مختلف التفاصيل ومنوع في المظهر العام ولكن يعيبه محدودية التصميم والقدرة على التجول في معظم المناطق الرئيسية في وقت بسيط للغاية.

NieR تمكنت من تقديم العديد من العناصر بشكل مميز ويحافظ على الطابع الياباني الذي اعتدناه، ولكن تظل المعارك القتالية أفضل ما قدمته اللعبة في ظل إمتلاك 2B القدرة على استخدام سلاحين أحدهم ذات تأثير قوي ولكنه بطيء والأخر أكثر سرعة وأقل تأثيرا، وتعتمد الشخصية الرئيسية على تلك الأسلحة طوال أحداث العنوان مع إمكانية العثور على أسلحة أخرى ولكن ليس بالكثافة والتنوع الذي تخيلته، هذا بالإضافة للقدرة على تفادي هجوم الخصم بالقفز والركض، واستخدام الـPod من وقت للآخر أما لحفظ ما انجزته سريعا أو الإعتماد عليه كسلاح لديه القدرة على ارسال طلقات متتالية لا تنتهي أو ضربات صاروخية مركزة تستنزف طاقة الخصم بشكل هائل، كذلك يلعب مستوى الصعوبة عامل رئيسي في طريقة سير الأحداث، فاللعب على مستوى Hard سيجعل اللاعب يعاني لفترات طويلة نظرا لقوة الأعداء وتمكن ضرباتهم من استنزاف طاقته الكاملة في وقت قصير، وبفارق كبير عن تجربة اللعبة بمستوى الصعوبة Normal على سبيل المثال.

خلال أكثر من 25 ساعة لعب، واجهت عشرات الأعداء المختلفين في التصميم والقدرات بشكل كبير، هناك خصوم لديها القدرة على الطيران واستخدام رشاشات آليه لإصابة اللاعب من أعلى أو الإنتحارين الذين يفجرون أنفسهم فور رؤيتي، في حين أن كل عدو يمتلك تصنيف معين يعبر عن قوته، وهناك شخصيات تجمع كل المميزات السابقة في شخصية واحدة كالقوة والسرعة والهجوم المتتالي الذي يصعب إيقافه.

ما يجعل أسلوب القتال مميز في NieR: Automata هو تصميم المراحل نفسها، كمواجهة خصومك في مدينة ألعاب وانت تمتطي أفعوانية تسير بكامل سرعتها، أو معارك الزعماء التي تعد الأفضل في العنوان من حيث التنوع وطريقة التعامل مع كل خصم والمدة الزمنية الطويلة التي تستغرقها وتقسيم المعركة إلى أكثر من فصل، هناك زعماء استمريت في مواجهتهم لمدة 60 دقيقة كاملة تقريبا خاصة المعركة الأخيرة قبل أنهاء القصة والتي تحتاج الى تركيز تام ودفاع محكم قبل التسرع إلى الهجوم، ويختلف تصميم الزعماء ما بين الآت تحاول التشبه بالبشر سواء في المشاعر أو المظهر مثل Beauvoir، وأعداء اخرون يفتخرون بكونهم الآت عملاقة لا يمكن الصمود في وجهها طويلا مثل Goliath Flyer.

تمتلك اللعبة Saving System مشابه لما ظهر في ألعاب Dark Souls، فعندما تموت الشخصية الرئيسية يعود اللاعب لأخر منطقة استخدمها لحفظ ملفاته (بعض معارك الزعماء يمكن إكمالها من المنتصف) ويفقد مجموعة من المقتنيات التي يمتلكها ويتوجب عليها إيجاد جثته السابقة واستعادة تلك المقتنيات مجددا حتى لا يفقدها للأبد، هذا الأمر يبدو كنوع من التحدي في البداية ولكن بعد فترة من فتح معظم نقاط الحفظ والقدرة على السفر السريع بين المقاطعات، سيصبح الأمر سهل نسبيا وليس بمثل تلك الصعوبة.

NieR_Automata_8

ما يجعل أسلوب القتال مميز في NieR: Automata هو تصميم المراحل نفسها، كمواجهة خصومك في مدينة ألعاب وانت تمتطي أفعوانية تسير بكامل سرعتها، أو معارك الزعماء التي تعد الأفضل في العنوان من حيث التنوع وطريقة التعامل مع كل خصم

بغض النظر عن مهام اللعبة الرئيسية التي تهدف للقضاء على الآليين، وجدت نفسي في كثير من الأوقات مضطرا لمساعدة من حولي من وقت للآخر في مهام جانبية بهدف الحصول على العناصر الثمينة التي لم اتمكن من العثور عليها وحدي، تلك المهام بسيطة جدا وغير متشعبة التفاصيل مثل البحث عن قطعة غيار لشخص ما يرغب بأسترداد قدمه المبتورة أو مساعدة عامل في العثور على زميله المفقود، تلك المغامرات السريعة لا علاقة لها بالقصة الرئيسية ولكنها توفر حكايات مختصرة حول ما آلت اليه الأمور والتغييرات الكبيرة التي طرأت على الأرض بعد مغادرة البشر بمئات السنين، ومن المؤسف أنها كانت غاية في البساطة ولا توفر فرصة أكبر للمغامرة أو معرفة تفاصيل أكثر حول تلك الشخصيات.

اللعبة توفر القدرة ايضا على اصطياد السمك وامتطاء الحيوانات البرية التي وجدت طريقها وعادت مرة أخرى للظهور رغم اعتقاد البعض بفناءها، وهناك ايضا قائمة تطوير تتيح للاعب تعديل ادواته ومعداته بحسب المعارك التي يخوضها عن طريق شرائح إلكترونية (plug-in chips) تعمل على ترقية الأسلحة -رغم محدوديتها الشديدة- وتزيد من قوة وتأثيرة الـPod الخاص بك في الإشتباكات المختلفة، كذلك يمكن تخصيص الـPod نفسه أما لإستخدامة كسلاح ليزر قاتل أو كجهاز لإستكشاف العناصر الهامة المتواجدة في الجوار.

استغرقت حوالي 13 ساعة لعب لإنهاء القصة، وما أن وصلت للنهاية كان هناك إستفسارات لا حصر لها تدور في عقلي ولم أتخيل أن تنتهي اللعبة عند هذه النقطة، ولكن بعد إسدال الستار على الأحداث وعرض أسماء فريق التطوير، كان هناك تنبية إلى كون أحداث اللعبة لم تنتهي بعد، وعلى أن اقوم بتحميل ملفات الحفظ وإكمال المغامرة مجددا، وبالفعل بدأت احداث اللعبة للمرة الثانية ولكن هذه المرة عن طريق اللعب بشخصية 9S، قمت بخوض نفس الأحداث مرة أخرى مع إختلاف بعض المواقف وزيادة قوة الأعداء بشكل ملحوظ، وظهور تفاصيل جديدة متعلقة بالقصة تكشف عن مفاجآت لم أتوقعها.

إعادة اللعبة للمرة الثانية بشخصية 9S شملت اسلوب لعب جديد ومختلف وهو الإعتماد على إختراق الآلات وقرصنتها للسيطرة عليها بدلا من تدميرها بالإشتباكات المباشرة، ولكن في المجمل لم تقدم اللعبة أي تغيير جذري يشفع لها إرغامي على إعادة الأحداث ثانية من البداية، واضررت هنا إلى الإسراع في لعب المهام الرئيسية وتجاهل أي مواجهة لا فائدة منها، وبعد حوالي 6 ساعات تمكنت من إنهاء اللعبة للمرة الثانية والحصول على معلومات محدودة ولكنها ذات أهمية كبيرة.

44041_banner

بعد الوصول للنهاية الثانية.. مازالت الأحداث مستمرة ولم تنتهي بعد، حيث يتم إستكمال القصة من المرحلة التي توقفت فيها 2B و9S وهنا وجدت نفسي أمام أحداث مختلفة بدرجة كبيرة كما لو أنني أقوم بتجربة لعبة مختلفة، شهدت هذه المرحلة ظهور خصوم جدد وقوة مبالغ فيها لجميع الأعداء بلا استثناء واحداث متلاحقة ومفاجئة واجابات واضحة حول ما يحدث وحقيقة الحرب المشتعلة بين البشر والآليين، وكنت أفضل إذا تم دمج قصة 9S مع 2B بشكل أو بآخر دون الحاجة لقضاء 6 ساعات تقريبا في إعادة الأحداث دون فائدة حقيقية سوى معرفة معلومة أو أثنتين فقط، ولكن النهاية الثالثة كانت شفيعا لهذا الأمر خاصة وأن احداث هذه المرحلة مميزة وتجعل اللاعب يعاني حتى وأن كان يلعب بأقل سمتوى صعوبة ممكن.

لدى NieR: Automata مميزات عديدة تبقي اللاعب مشغولا لفترة طويلة دون ملل، ولكنها تعاني من مشاكل آخرى لا يمكن إغفالها أبرزها عدم وجود العديد من الأسلحة التي يمكن التبديل بينها طوال احداثها، والمستوى الرسومي المحدود والذي يظهر بوضوح عند الإقتراب من أي عنصر في الخريطة وشعرت في أوقات كثيرة كما لو أن اللعبة مخصصة في الأساس لمنصة محمولة وليس PS4 أضف الى ذلك نظام المحادثات البدائي وعدم وجود خيارات ذات تأثير على الأحداث واعتماد الكثير من الشخصيات التي تقابلها على الرسال النصية فقط دون وجود أصوات.

NIERA_DEMO_SS07_SideView

إعادة اللعبة للمرة الثانية بشخصية 9S شملت اسلوب لعب جديد ومختلف وهو الإعتماد على إختراق الآلات وقرصنتها للسيطرة عليها بدلا من تدميرها بالإشتباكات المباشرة

رغم تنوع أسلوب اللعب وكونه عنصر النجاح الرئيسي من وجهة نظري، إلا أن اللعبة تجاهلت وجود نظام تطوير مخصص للمهارات القتالية يسمح للاعب بإكتساب أساليب وحركات جديدة تفيده في المعارك الضارية التي يخوضها خاصة في الثلث الأخير من الأحداث فحتى مع وجود أكثر من شخصية قابلة للعب يعتمدون جميعهم على نفس اساليب الهجوم دون أي تغيير يذكر.

الأداء الصوتي للشخصيات الرئيسية كان رائع ومؤثر ويخدم القصة التي تمتلك طريقة سرد مبتكرة بشكل رائع -رغم التآوهات التي لا حصر لها في كل معركة خضتها تقريبا- اضف الى ذلك أصوات الـPod المزعجة في بعض الأوقات خاصة عند استخدامه كسلاح لردع الأعداء، ولكن في المقابل كانت الموسيقى التصويرية مبهرة ومختلفة وتعطي لكل منطقة طابع خاص بها وتساعد على الإندماج مع ما يحدث سواء كنت تتجول وتستكشف البيئة أو تخوض معركة مشتعلة.

حول الكاتب

مصطفي جاد

مؤسس مشارك للموقع، مجنون بصناعة ألعاب الفيديو ومتعلق بها لأقصى درجة، لا أمانع قضاء ساعات طويلة في تجربة أي لعبة تنتمي لفئة العالم المفتوح، طالما تتضمن أفكار جديدة.