كثيرة هي تلك العناوين التي تقدم لمنتظريها قصة تبدأ بشكل مبهر بصريا يعتمد على الإنفجارات والمطاردات التي سرعان ما تنتهي بدون تقديم أي شيء جديد لتفاجيء بأن طريقة السرد أختلفت 180 درجة بعد أول ساعة لعب وتشابهت مع معظم العناوين التي سبقتها، ولكن على الجانب الأخر كان هناك عدد محدود جدا من العناوين التي أهتمت بالقصة عوضا عن أي شيء أخر، ووفرت أسلوب لعب يخدم مبتغاها بشكل رائع ولم تستخف بعقول اللاعبين للحظة، بل أجبرتهم على التركيز بكافة حواسهم حتى اللحظات الأخيرة في عمر القصة لفهم ما يحدث.

سلسلة Bioshock كانت واحدة من تلك العناوين التي تمكنت من خطف قلوب اللاعبين في أول جزئين معتمدة على قصة غامضة وعالم إفتراضي مختلف بدرجة كبيرة عن أي لعبة اخرى سواء في التصميم أو المفهوم الفني، وبلغت السلسلة أوج تألقها مع جزئها الثالث والأخير Infinite الذي مازلت أعتبره حتى الآن أحد أفضل ألعاب التصويب التي شهدتها أجهزة الجيل السابع.

الآن وبعد مرور 3 سنوات على إطلاق أخر أجزاء السلسلة، وبعد المشاكل التي واجهها فريق التطوير وإيقاف العمل على أي جزء جديد طوال الفترة السابقة، قررت 2K Games إعادة إطلاق الثلاثية في شكل إصدارة محسنة لأجهزة الجيل الحالي والحاسب، توفر للاعبين الجدد الفرصة لخوض 3 مغامرات غاية في الإثارة، وتسمح للاعبين القدامى بإستعادة ذكرياتهم في أعماق المحيط من خلال مدينة Rapture أو التجول في سماء كولومبيا الطائرة لمساعدة “إليزابيث” في مبتغاها، وسواء كانت المجموعة تمهد لجزء جديد قادم في الطريق أو لا، دعونا نعرف ما إذا كانت Bioshock مازالت تحتفظ بإثارتها بعد مرور كل تلك الفترة أم لا.

بدأت تجربتي للمجموعة من خلال الجزء الأول الذي مر على إطلاقه أكثر من 9 سنوات ورغم ذلك مازال يحاول الصمود في وجه الطفرة التقنية التي شهدتها الصناعة في السنوات الماضية ويظهر ذلك بوضوح في نظام الإضاءة المحسن الذي تستخدمه اللعبة ويلعب دورا هاما في إظهار مدينة Rapture الغارقة في أعماق المحيط بشكل مميز خاصة في المناطق المغلقة أو ذات التصميم المحدود.

qobkxg2

رغم مرور فترة زمنية طويلة على الجزء الأول إلا أن التجول في أرجاء Rapture التي سيطرت عليها الفوضى العارمة مازال يوفر نفس الشعور بالإثارة والقلق من التعرض لكمين مباغت أو مواجهة عدو ليس في الحسبان، ومازالت اللعبة ترغمني على إستكشاف كل شبر والإستماع للتسجيلات الصوتية لمعرفة القصص الغامضة التي حدثت في الماضي وتسببت في أن تؤول الأمور إلى ما هي عليه الآن.

القصة تركز على شخصية “جاك” المسافر الذي تعرضت طائرته لحادث تحطم سقطت على أثرها في أعماق المحيط ليفاجيء بوجود مدينة مهجورة تسيطر عليها مجموعة من الشخصيات الغير مألوفة، ومن خلال تواصله مع شخص يدعى “أطلس” يبدأ في معرفة حقيقة ما جرى في تلك المنطقة، والشخص المسؤول عن كل تلك الفوضى.

أداء اللعبة كان سلس بدقة الوضوح 1080 بيكسل وسرعة 60 إطار في الثانية مما ساعد على خوض الأحداث بأداء ثابت معظم الوقت مع هبوط معدل الإطارات بشكل محدود من فترة للأخرى خاصة في الإشتباكات التي تتضمن ظهور عدد كبير من الـNPCs على الشاشة في نفس اللحظة.

وإذا كان المظهر العام للعبة جيد وليس ممتاز، فأسلوب اللعب أثبت أنه مازال قادرا على الصمود في وجه اي تغييرات كل تلك الفترة، ويجمع بشكل مميز بين القدرات المختلفة والأسلحة الكلاسيكية التي توفر حرية كبيرة لكل لاعب في إستخدامها بالطريقة التي تحلو له للتخلص من أعداءه بطرق مبتكرة ومرضية، لكن رغم ذلك شعرت من وقت للأخر أن نظام التحكم وبعض الأدوات لا تعمل بشكل صحيح أو كان يمكن أن تقوم بوظيفتها بصورة أفضل، وتظهر تلك المشكلة بوضوح بعد الإنتهاء من اللعبة وخوض أحداث الجزء الثاني والثالث ورؤية التطورات والتغيرات الكبيرة التي شهدتها السلسلة فيما بعد.

على الجانب الأخر ظهرت لعبة BioShock 2 بمظهر رسومي أفضل في المجمل من الجزء الأول، قدمت عالم إفتراضي أكثر وضوحا مليء بالتفاصيل في كل شبر ونماذج شخصيات أكثر تفصيلا، ولكن في مقابل ذلك تخلت اللعبة عن الغموض والتشويق الذي امتاز بها الجزء الأول، فالقصة ليست على نفس القدر من التنوع والإثارة، واللحظات الدرامية كانت متوقعة إلى حد كبير وربما ساذجة في أوقات أخرى.

bioshock-2_2010_01-11-10_04

أضف إلى ذلك أن العودة الى Rapture مجددا بعد مرور 8 سنوات على أحداث الجزء الأول لم تكن على نفس القدر من الحماس، وشعرت في أوقات كثيرة أننا في محتوى إضافي خاص باللعبة الأصلية وليس جزء ثاني مستقل بذاته يركز على شخصية “بيغ دادي” وحمايته للأخوات الصغيرات، وهي الأحداث التي ربما لن يشعر الكثير من اللاعبين بالتعاطف معها في أي وقت، وربما سيجدها البعض لا تستحق السرد في الأساس، ورغم تفوق الجزء الأول في القصة، إلا أن الجزء الثاني تفوق في أسلوب اللعب ونظام التحكم والقدرات الجديدة والعناصر التي يعتمد عليها اللاعب لأول مرة والأعداء الجدد الذين يخططون لإسقاطه.

سبق وأن سنحت لي فرصة تجربة جميع أجزاء السلسلة وقت إطلاقها، ولكني لم أتطرق إطلاقا للمحتويات الإضافية، وها هي الفرصة قد أتت بعد 6 سنوات لتجربة إضافة Minerva’s Den التي وفرت مغامرة تستمر لمدة 3 أو 4 ساعات تقريبا، وفاجأتني بأدائها المميز وكونها مختلفة كليا عن اللعبة نفسها سواء في الشخصيات أو القصة أو اللحظات الدرامية التي لا تنسى أو حتى في أختيار الأسلحة والتعامل مع الأعداء، وهو ما جعلني أشعر بالندم لإستمراري كل تلك المدة دون أن أفكر في تجربة الإضافة التي وفرت لي متعة ربما لم تستطيع اللعبة نفسها توفيرها.

عندما أنتقلت إلى BioShock Infinite كانت الأمور أفضل بمراحل وهو أمر طبيعي، فاللعبة لم يمر على إطلاقها سوى 3 سنوات ومازلت أحفظ معظم تفاصيلها في ذاكرتي بعدما أبهرتني بالشخصيات التي قدمتها والخلفية الدرامية لكل منها والتصميم الأكثر من رائع لمدينة كولومبيا الطائرة التي تحيطها السحب من كل إتجاه، هذا لا يعني أن شركة 2K قامت بجهد مضاعف في النسخة المحسنة، بل تبدو اللعبة من البداية بصورة مميزة ولم تتغير كثيرا من خلال الريماستر في الواقع.

تبدو Infinite من البداية كلعبة مختلفة عن باقي أجزاء السلسلة حيث تخلت عن التصميم المغلق والممرات الضيقة واستبدلتها بشوارع ضخمة وألوان زاهية محت من ذاكرتي التصميم الكئيب لمدينة Rapture والصمت المبالغ فيه كما لو أنك في زيارة للمقابر، ولكن في “كولومبيا” الوضع مختلف تماما في ظل إزدحام الشوارع والطرقات بالمارة والبائعين ووجود العديد من الشخصيات والأنشطة المثيرة للإهتمام التي لن يغفلها أي لاعب والفضل في ذلك يعود لوجود سيناريو قوي يدعم كافة الأحداث ويجعلها منطقية وغامضة في الوقت نفسه.

bioshockinfinite1

على الرغم من أن Infinite تخلت عن قواعد أساسية اعتمدت عليها السلسلة في جزئيها السابقين كمحدودية الأسلحة النارية والذخيرة والأدوات التي يحتاجها اللاعب لإستخدامها في مواجهة خصومه، إلا أن اللعبة تغلبت على هذا الأمر بقدرات “بوكر دويت” المميزة رغم تعدد المعارك والإشتباكات النارية طوال الأحداث، ودعم هذا الأمر وجود قصة ممتعة وغامضة لأقصى درجة تركز على “ديوت” الذي يذهب في مهمة إلى “كولومبيا” من أجل العثور على الفتاة “إليزابيث” وتحريرها، ليجد نفسه جزءا من سيناريو أقرب ما يكون للأساطير والروايات الخيالية وسرعان ما يصبح الوضع أكثر تعقيدا عندما يضطر لمواجهة “كومستوك” منفردا دون أي مساعدة من أي شخص سوى “إليزابيث”.

هنا الأحداث أكثر تنوع وتأخذ منعطف درامي رائع تم تقديمه بطريقة ممتازه على غرار أشهرالأفلام السينمائية وتركز بشكل كامل على فكرة العوالم الموازية ووجود أكثر من نسخة من كل شخص، اما أداء اللعبة التقني فكان جيدا في المجمل بأستثناء مشاكل محدودة متعلقة بمعدل الإطارات وبطء نسبي في بعض المعارك والإشتباكات من فترة للأخرى.

كون اللعبة تركز على فكرة العوالم الموازية، كان من الطبيعي أن تتطرق لنفس الأمر في محتوياتها الإضافية Burial at Sea سواء الجزء الأول أوالثانن الذي قدم الشخصيات الرئيسية بشكل مغاير وتضمن أحداث مختلفة ليس بنفس إثارة القصة الأصلية ولكنها دعمت بإشتباكات ومعارك مثيرة وصعبة في نفس الوقت كمواجهة Lady Comstock على سبيل المثال، وتعد تلك الإضافات كمغامرة أصغر وأقل تعقيدا بكثير مقارنة بلعبة Infinite.

حول الكاتب

مصطفي جاد

مؤسس مشارك للموقع، مجنون بصناعة ألعاب الفيديو ومتعلق بها لأقصى درجة، لا أمانع قضاء ساعات طويلة في تجربة أي لعبة تنتمي لفئة العالم المفتوح، طالما تتضمن أفكار جديدة.

×
Show